الرئيسية / أخبار / اللقاء العربي حول السيادة الاعلامية

اللقاء العربي حول السيادة الاعلامية

كلمة السيد يونس مجاهد رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر في الجلسة الافتتاحية للقاء العربي حول السيادة الاعلامية


تحية طيبة،

 السيد مؤيد اللامي رئيس الاتحاد العام للصحافيين العرب، السيد مصطفى أمدجار مدير التواصل والعلاقات مع الفاعلين الإعلاميين بوزارة الشباب والثقافة والتواصل، السيدات والسادة الحضور الكريم؛ 

باسم عضوات وأعضاء اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، يشرفني أن أرحب بكم جميعا، ضيوفنا الكرام، أعضاء الأمانة العامة للاتحاد العام للصحافيين العرب، والسادة النقباء وكل ممثلي نقابات الصحافة العربية الحاضرين معنا، وكل الصديقات والأصدقاء الذين تكبدوا مشقة السفر من بلدانهم الشقيقة ليشاركوا معنا في هذا اللقاء الذي سيكون غنيا ومثمرا بفضل مساهماتكم القيمة.

كما أرحب بكل الحاضرين معنا من مسؤولين في مختلف الهيئات والمنظمات، ومن صحافيات وصحافيين، وبكل الحضور الكريم.

 لابد ان أنوه في مستهل هذه الكلمة بالاتحاد العام للصحافيين العرب، الذي كان ولايزال، هو البيت الذي يجمع الصحافيين العرب، ويشكل خيمةً دافئة لهم في مواجهة الخطاب الذي يحاول تكريس الهيمنة الأجنبية والتضليل الذي يمارس على قضايا الشعوب العربية، فقد تأسس الاتحاد كقوة تحرير وتحرر، سواء تعلق الأمر بمواجهة مخططات الاحتلال والاستعمار والتدخل الأجنبي او بالنضال ضد قمع حرية الصحافة والإعلام.

لذلك، ننتظر من هذا اللقاء الذي ننظمه اليوم، أن يكون حلقة أخرى في مسلسل إعلاء شأن النقد والعقل والوعي، الذي دافع عنه باستمرار هذا الاتحاد العربي.

وبهذه المناسبة، اود ان أشير إلى ان المنطقة التي نتواجد فيها اليوم، تتعرض لأخطر أشكال التضليل الإعلامي، الذي يمكن ان يشكل نموذجا لأبحاث أكاديمية حول الطريقة والمنهجية التي تزور بها الحقائق التاريخية والجغرافية والقانونية والسياسية.

وسأحاول بعجالة تقديم بعض الأمثلة حول القضايا التي طالها التضليل والتزوير.

ان احتلال المغرب وتوقيع عقد الحماية سنة 1912، كان نتيجة تحالف استعماري غربي، ضم كلا من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا، بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نظم في الجنوب الإسباني، ما سمي آنذاك بمؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، الذي ادى عمليا إلى تقسيم المغرب إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الشمالي والجنوبي تحت الحماية الإسبانية، الوسط تحت الحماية الفرنسية، ومنطقة طنجة تحت حماية دولية. وهو تقريبا نفس منطق التقسيم الذي حصل في المشرق العربي طبقا لاتفاقية سايس بيكو، سنة 1916.

فالصحراء المغربية لم تكن أرضاً خلاء، كما كان يدعي المستعمر، بل تم احتلالها طبقا لما توافقت عليه القوى الاستعمارية في المؤتمر المذكور، لتقسيم الدولة الشريفة، التي استعصى على قوة استعمارية واحدة التغلب عليها.

مباشرة بعد دخول القوات الاستعمارية، انطلقت حركات المقاومة، من أشهرها حركة الشيخ ماء العينين، الذي اتخذ من مدينة السمارة في الصحراء المغربية قاعدة الجهاد، وواصل ابناؤه المقاومة التي امتدّت إلى حدود مراكش، لأنهم كانوا يعتبرون ان المغرب واحد لا فرق بين السمارة والعيون ومراكش.

وعند استقلال المغرب سنة 1956، انتقل جيش التحرير من الـ شمال إلى الجنوب، وخاض حربا ضد المستعمر الإسباني وكاد ان يطرده كلية من الأراضي الصحراوية، ومرة أخرى حصل تحالف عسكري فرنسي إسباني ضد جيش التحرير المغربي، سنة 1958، استعملت فيه أحدث الأسلحة

وفي الوقت الذي كانت فيه الدعاية المضللة، تدعي ان الصحراء منفصلة عن باقي الأراضي المغربية، تمكن المغرب عبر المفاوضات من استرجاع طرفاية سنة 1958 وسيدي افني سنة 1969، وهي مناطق كانت تحت سيطرة اسبانيا وتعتبرها جزءا من الصحراء. لكنها سلمت إلى المغرب، مما يؤكد مرة أخرى ان الحدود التي رسمها الاستعمار الإسباني بالمسطرة بعد ذلك، لما أطلق عليه اسم ‘الصحراء الغربية’، كانت مجرد حدود وهمية

ومن بين النماذج الأخرى حول الدعاية الكاذبة، هي الادعاء ان قضية الصحراء لم تبدأ إلا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، غير ان من طرح قضية الأقاليم الصحراوية المستعمرة على الأمم المتحدة كان هو المغرب، سنة 1961 بإثارة القضية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتميزت هذه المرحلة بصدور قرار عن لجنة تصفية الاستعمار سنة 1964 أعربت فيه عن أسفها لتماطل الدولة الإسبانية في تحرير هذه الأقاليم.

في كل هذه المراحل، التي كان المغرب يقاوم فيها ويترافع لتحرير صحراءه، كانت الجزائر ما زالت تحت الاحتلال الفرنسي، والتي لم تستقل إلا في سنة 1962. ولم تكن هناك اية جهة أخرى تدعي أنها تمثل الصحراء وتطالب بعودتها، سوى المغرب. وهذه حقيقة أخرى من بين الحقائق.

ولم يرفع شعار تقرير المصير، بعد ذلك، إلا من طرف الديكتاتور فرانكو الذي كان يحكم إسبانيا بالحديد والنار، فعندما تيقن ان المغرب لن يتوقف عن نضاله لطرد الاستعمار الإسباني من هذه الأراضي، أخذ يهيئ الشروط السياسية والدبلوماسية لخلق دويلة في الصحراء تابعة لإسبانيا، فرفع شعار تقرير المصير.

هذا الشعار هو في الأصل شعار الديكتاتور فرانكو، الذي تبنته بعد ذلك جبهة البوليساريو، في البداية بمباركة القذافي، وبعدها من طرف الجزائر التي احتضنت وسلحت ومولت هذا التنظيم إلى حدود اليوم.

الدعاية الكاذبة تدعي ان هذا الشعار هو وليد حركة تحرر، لكن في الحقيقة، كان اول من رفعه هو المستعمر الإسباني.

تضليل آخر وقع في هذا الملف، وهو ان المغرب احتل الصحراء، والحقيقة هي ان المغرب عرض نزاعه مع إسبانيا على محكمة العدل الدولية، التي اصدرت حكمها الذي يعترف بأن هذه المناطق الصحراوية كان لها ارتباط بالسلطة المركزية المغربية، قبل دخول الاستعمار، لذلك وامام التعنت الإسباني، قام المغرب بمسيرة شعبية كبيرة، شكلت سابقة في عمليات التحرر حول العالم، وسميت ‘المسيرة الخضراء’، شارك فيها 350 الف مغربية ومغربي، توجهت نحو الصحراء، يوم 6 نوفمبر 1975، مما أجبر إسبانيا على توقيع اتفاقية مدريد يوم 14 نوفمبر من نفس السنة، أي بعد 8 أيام، أنهت الاحتلال الإسباني للصحراء.

هذه هي الحقائق التي عملت الدعاية الغربية، وخاصة الإسبانية، وكذا الدعاية الجزائرية على طمسها. والهدف واحد من وراء تزوير الحقائق، هو تجزيء المغرب وتقسيم أراضيه، ونحن نعلم كيف سعت القوى الاستعمارية إلى تقسيم عدة بلدان عربية، وما زالت مثل هذه المخططات جارية حتى اليوم.

من بين أساليب التضليل التي تمارس على الرأي العام، هي أكذوبة المناطق المحررة، التي يدعي خصوم المغرب أنهم يقيمون فيها ما يسمى بالجمهورية الصحراوية، وهي في الحقيقة منطقة عازلة منزوعة السلاح، تم الاتفاق عليها المغرب مع الأمم المتحدة، حتى لا يحصل تماس بين القوات العسكرية المغربية والجزائرية، لكن الدعاية المضللة تسعى إلى تصويرها كما لو كانت مناطق محررة

و امعانا في التضليل، فإن ميليشيات البوليساريو التي تقيم مخيمات تحت إشراف القوات الجزائرية في تندوف، التابعة حاليا للجزائر، تسمي هذه المخيمات بأسماء مدن الصحراء كالعيون والسمارة والداخلة، وغيرها… مما يجعل الصحافيين والناشطين الحقوقيين الذين ينظمون لهم زيارات، يعتقدون أنهم فعلا في العيون والسمارة والداخلة، وبعد ان يتجولوا قليلا بهم في الصحراء، قرب تندوف، يقولون لهم هذه أراضي محررة، لكنهم في نفس الوقت يخفون عنهم مظاهر القمع والعذاب التي يعانيها سكان هذه المخيمات بما فيها تجنيد الأطفال وسرقة المساعدات الإنسانية الدولية، وغيرها من الانتهاكات الخطيرة، التي تتسرب عنها بعض الحقائق، لكن الإعلام الغربي يسكت عنها.

ان ما يحصل في المنطقة من أساليب التضليل الإعلامي، ينبغي ان يدرس، كنموذج لأقسى وأخطر ما حدث من تزوير وتشويه للحق المغربي، وقد لعبت فيه الدعاية الغربية، وخاصة الاسبانية دوراً كبيراً، لأن هذا البلد يسعى إلى إضعاف المغرب، حتى لا يتمكن من تحرير مدينتي سبتة ومليلية، والجزر المتوسطية، التي مازالت محتلة من طرف إسبانيا.

من بين ما تروج له اجهزة الدعاية الجزائرية والإسبانية، هي ان الصحراء المغربية تعيش يوميا مواجهات مع المتظاهرين، وان السكان يعيشون في ظل طوق امني رهيب، و يمكن لكل زائر للمدن الصحراوية أن يكتشف بنفسه هذه الأكاذيب، ويطلع على حقائق الأمور، فالحياة هنا عادية والناس يمارسون حقوقهم الدستورية بكل مسؤولية، ينتمون لأحزاب سياسية ونقابات وجمعيات ويشاركون في الانتخابات، ويمكن بسهولة معرفة من هم أعضاء البرلمان من الأقاليم الصحراوية والبلديات وغيرها، فهم أبناء هذه المنطقة، يتصرفون بكل حرية، بينما نطلب من الصحافيين وخاصة من بلدان الغرب محاولة  زيارة مخيمات تندوف دون تأطير او تطويق من المخابرات العسكرية الجزائرية وميليشيات البوليساريو، و التحدث إلى الناس هناك دون رقابة، اذ انه امر مستحيل.

حاولت ان أقدم بعض نماذج التضليل، الذي تؤدي ثمنه غاليا شعوب المنطقة، التي ربطتها اواصر التضامن والكفاح المشترك ضد الاستعمار، لكن مخططات التجزئة والتقسيم ما زالت جارية، في الغرب والمشرق العربيين، ومن أدوارنا، نحن الصحافيين، ان نسعى إلى فضح هذه المخططات وكشف الحقائق والوقوف في وجه التضليل، ونقترح أن تشكل هذه الأهداف جزءا اساسياً من برنامج اتحادنا العربي، الذي شكل باستمرار صوت الضمير الحي، التحرري، للصحافة والإعلام.