أكد عبد اللطيف الطهار، رئيس لجنة دعم استقلال القضاة والأخلاقيات بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، خلال ندوة نظمها المجلس الوطني للصحافة زوال يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر فبراير 2025، أن موضوع الأخلاقيات القضائية يمثل ركيزة أساسية في إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، مشددًا على أن تعزيز الأخلاقيات لا يجب أن يقتصر على الإجراءات التأديبية، بل يجب أن يشمل آليات تحفيزية وتوعوية لترسيخ ثقافة الالتزام الطوعي بقيم المهنة.
وأشار الطهار إلى أن القضاء، باعتباره أحد أهم دعائم الدولة الحديثة، يحتاج إلى قواعد أخلاقية واضحة تضمن استقلالية القاضي وتحميه من أي تأثيرات خارجية، في مقابل تحميله مسؤولية الحفاظ على نزاهته وتجرده في جميع مراحل عمله. وذكر أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية جعل من تخليق منظومة العدالة أحد أولوياته الأساسية، وذلك من خلال وضع مدونة أخلاقيات للقضاة، تطوير آليات التتبع والتنفيذ، تبني مقاربات جديدة لتعزيز التخليق، وتشجيع الانخراط الذاتي للقضاة في الالتزام بالمعايير الأخلاقية.
وأوضح أن السياق القانوني المغربي قد أولى أهمية كبرى للأخلاقيات القضائية، حيث نص دستور 2011، وخاصة في الفصل 111، على ضرورة احترام القضاة لواجب التحفظ والاستقلالية، في حين أكد الفصل 109 على منع أي جهة من التدخل في عمل القاضي. وقد تعزز هذا التوجه بإصدار القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي تضمن عدة مقتضيات تحدد التزامات القضاة الأخلاقية، أبرزها المادة 44 من النظام الأساسي للقضاة، التي تنص بوضوح على التزام القضاة بمدونة الأخلاقيات. كما أن المادة 66 من القانون التنظيمي المذكور أدرجت مجموعة من المعايير المهنية التي يجب اعتمادها عند تقييم أداء القاضي وسلوكه.
وفي هذا الإطار، أشار السيد الطهار إلى أن مدونة الأخلاقيات القضائية، التي دخلت حيز التنفيذ في 8 مارس 2021، تعد إطارًا مرجعيًا شاملاً يحدد المبادئ الأساسية التي يجب أن يلتزم بها القضاة، وتشمل التجرد، الاستقلال، الحياد، النزاهة، الشجاعة الأدبية، الاجتهاد، حسن المظهر، اللباقة، والتضامن. وأكد أن المدونة تم إعدادها وفق مقاربة تشاركية، حيث تم إشراك الجمعيات المهنية للقضاة في صياغتها، وهو ما يعكس التزام المغرب بالمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال، خاصة مبادئ بنغالور للسلوك القضائي التي تعد إحدى المرجعيات الأساسية في الأخلاقيات القضائية.
وأضاف أن تنفيذ هذه المدونة لا يقتصر على اعتمادها كوثيقة قانونية، بل يتطلب آليات تتبع فعالة، ولذلك أنشأ المجلس الأعلى للسلطة القضائية لجنة خاصة بمراقبة التزام القضاة بالأخلاقيات، إضافة إلى تعيين مستشاري الأخلاقيات في مختلف محاكم الاستئناف. وتهدف هذه الآليات إلى تقديم التوجيه والمشورة للقضاة، وضمان تطبيق المعايير الأخلاقية بطريقة سليمة، فضلًا عن تلقي ودراسة الإحالات المتعلقة بمحاولات التأثير على القضاة أو التجاوزات التي قد تمس بنزاهة العمل القضائي.
وأفاد السيد الطهار أن دور مستشاري الأخلاقيات يتجاوز كونه وظيفة رقابية، إذ إنهم مكلفون بتوعية القضاة بالمقتضيات الأخلاقية، تقديم الاستشارات حول الممارسات التي قد تثير إشكالات أخلاقية، وإبلاغ اللجنة المختصة بأي خروقات جسيمة. وأشار إلى أن المدونة الأخلاقية تمنح القضاة أيضًا الحق في طلب استشارة من المستشارين أو اللجنة المركزية في حالة وجود التباس حول مدى توافق سلوك معين مع القيم المهنية.
وفي إطار تعزيز التخليق داخل السلطة القضائية، أوضح السيد الطهار أن المجلس اعتمد مقاربة متعددة الأبعاد، تشمل الجانب التوعوي والتكويني والتأديبي. فمن جهة، يتم تنظيم دورات تكوينية للقضاة حول الأخلاقيات المهنية، وإصدار دوريات توجيهية لتوضيح القواعد الأخلاقية، بالإضافة إلى تنظيم ندوات ولقاءات تحسيسية تهدف إلى نشر ثقافة الالتزام الذاتي بالأخلاقيات. ومن جهة أخرى، يتم اللجوء إلى العقوبات التأديبية في حالة المخالفات الجسيمة، حيث أوضح أن المجلس أصدر حتى الآن 108 قرارات تأديبية تم نشرها على الموقع الرسمي، وذلك في إطار الشفافية وتمكين القضاة من الاطلاع على التوجهات التأديبية المعتمدة، بهدف استخلاص الدروس من الحالات السابقة.
وأشار المتدخل ذاته إلى أن التزام القضاة بالأخلاقيات لم يكن مجرد استجابة لإجراءات المجلس، بل هو انخراط طوعي يعكس وعي القضاة بأهمية حماية سمعة القضاء. وأوضح أن الجمعيات المهنية للقضاة، حتى قبل تأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، عملت على وضع مواثيق أخلاقية وتنظيم لقاءات تكوينية حول أخلاقيات المهنة، مما يدل على أن التخليق ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية مستمرة تتطلب وعيًا مجتمعيًا وقضائيًا عميقًا.
وفي هذا السياق، تطرق السيد الطهار إلى ميثاق أخلاقي خاص بانتخابات ممثلي القضاة داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي تم اعتماده لضمان نزاهة العملية الانتخابية، حيث نص على عدة إجراءات تضمن تكافؤ الفرص بين المرشحين، مثل اعتماد وسائل اتصال حديثة، منع الحملات الانتخابية غير الأخلاقية، وضمان استقلالية القضاة خلال الانتخابات. وقد تم تطبيق هذا الميثاق خلال الانتخابات التي أشرف عليها المجلس، حيث تمت العملية في أجواء نزيهة وشفافة شهدت متابعة وطنية ودولية، بما في ذلك حضور وفد من الاتحاد الدولي للقضاة.
وختم الطهار مداخلته بالتأكيد على أن التخليق ليس مجرد مسألة تأديبية، بل هو التزام مجتمعي طويل الأمد يتطلب تعزيز الوعي بالقيم الأخلاقية، وتوفير بيئة مهنية تدعم النزاهة والاستقلالية. كما شدد على أهمية التعاون بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والجمعيات المهنية للقضاة من أجل تطوير آليات أكثر فعالية في مجال الأخلاقيات القضائية، معتبراً أن المغرب يواصل العمل على تعزيز استقلال القضاء، وتحسين منظومة العدالة وفق المعايير الدولية، بما يعزز ثقة المواطنين في القضاء ويدعم دور العدالة في تحقيق التنمية والاستقرار.
المجلس الوطني للصحافة الموقع الرسمي للمجلس الوطني للصحافة